محمد سعيد رمضان البوطي

362

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وما اقترح عليّ على عمر رأيا إلّا واتّجه عمر إلى تنفيذه عن قناعة ، وحسبك في ذلك قوله : لولا عليّ لهلك عمر . أمّا علي فقد كان يمحضه النصح في كل شؤونه وأحواله ، وقد رأيت أن عمر استشاره في أن يذهب بنفسه على رأس جيش لقتال الفرس ، فنصحه نصيحة المحب له الغيور عليه والضنين به ، أن لا يذهب ، وأن يدير رحى الحرب بمن دونه من العرب وهو في مكانه . وحذّره من أنه إن ذهب ، فلسوف ينشأ وراءه من الثغرات ما هو أخطر من العدو الذي سيواجهه . أرأيت لو أن رسول اللّه أعلن أن الخلافة من بعده لعلي ، أفكان لعلي أن يعرض عن أمر رسول اللّه هذا ، وأن يؤيد المستلبين لحقه بل لواجبه في الخلافة ، بمثل هذا التعاون المخلص البناء ؟ بل أفكان للصحابة كلهم أن يضيعوا أمر رسول اللّه ، بل أفكان من المتصور أن يجمعوا - وفي مقدمتهم عليّ رضي اللّه عنه - على ذلك ؟ رابعا - كما أن خلافة أبي بكر جاءت في ميقاتها ، الذي لم يكن يصلح له إلا أبو بكر ، فكذلك خلافة عمر جاءت في ميقاتها الذي كان عمر من أصلح الناس له . لقد كان من أجلّ ما قام به أبو بكر إعادة تثبيت الإسلام بناء في الدولة ويقينا في النفوس بعد الاضطراب الذي نابه بسبب وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ولقد كان من أجلّ ما قام به عمر مدّ الفتوحات الإسلامية إلى أقصى بلاد الفرس والشام والمغرب ، وبناء المدن وتدوين الدواوين ، وتوطيد دعائم الدولة الإسلامية كأقوى دولة حضارية فوق الأرض . وهذا يدلّ على مدى حكمة اللّه تعالى في رعاية عباده وتحقيق أسباب الخير والسعادة لهم في حياتهم الفردية والاجتماعية . خامسا - نقول عن الطريقة التي تمت على أساسها خلافة عثمان ، ما قلناه عن ذلك بالنسبة لخلافة عمر . فقد كان العهد بها هو السبيل لخلافة كل منهما ، إلا أن الفرق بينهما هو أن أبا بكر عهد بالخلافة إلى عمر بعينه . أما عمر فقد عهد بالخلافة إلى واحد من ستة أشخاص هم أهل الشورى ، وفوّض إلى المسلمين اختيار من يشاؤونه منهم . وقد رأيت أن اختيار عثمان من بين هؤلاء الستة كان بمشورة من هؤلاء الستة أنفسهم ، ثم كان بمشورة فمبايعة من عامة المسلمين أو أهل الحلّ والعقد منهم . وقد كان عليّ رضي اللّه عنه واحدا من هؤلاء الستة ، وكان في مقدمة من بايع عثمان رضي اللّه عنهما . بوسعنا أن نعلم إذن ، بكل بداهة ، أن المسلمين إلى هذا العهد ، بل إلى نهاية عهد عليّ رضي اللّه عنه كانوا جماعة واحدة ، ولم يكن في ذهن أي من المسلمين أي إشكال بشأن الخلافة